ابن الجوزي
274
بستان الواعظين ورياض السامعين
يصدقوا بالعذاب حتى شاهدوه . ثم ضرب اللّه تبارك وتعالى مثلا للكافرين فقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً [ النور : 39 ] يراه من البعد حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور : 39 ] كذلك الكافر بحسب ما قدم من عمله في الدنيا ينفعه بل وجده بلاء وحسرة عليه لأن اللّه تبارك وتعالى محقه وأبطله بالنفاق والكفر ، لأنه عمل لم يعمله لوجه اللّه تبارك وتعالى ، ولا ينفع من الأعمال كلها إلا ما كان لوجه اللّه خالصا ، والكافر والمنافق لم يرد بعمله وجه اللّه تعالى فنعوذ باللّه من النفاق والكفر بعد الإيمان ، ومن زوال النعمة بعد الإحسان ، ومن القطيعة والحرمان ، ومن ترك الزيادة ولزوم النقصان ، ومن ترك العز واتباع الهوان ، وترك المولى الكريم وصحبة الشيطان . ثم وصف الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه الرجال الذين يسبحون له بالمساجد فقال تبارك وتعالى : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها [ النور : 36 ] يعني المساجد بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 36 ] فسبحان من لو سجدنا له على جمر الغضا وحرارة الرمضاء ما بلغنا جزءا واحدا من فناء الإعداد من حق الملك الجواد الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام ، وفضلنا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، خير نبي وأكرم إمام ، شاهدا علينا في جميع الأحكام ، وجعل هذه الأمة شهداء يوم القيامة على الناس يوم تشقق فيه السماء بالغمام . فمن كانت هذه النعمة من بعض نعمه عليهم كيف تلهيهم تجارة أو بيع عن ذكر اللّه ؟ ! وتجارتهم مع اللّه رابحة ، ومحاسنهم لذوي الألباب لائحة . ثناؤهم عطر الأنام ، فهو بين الناس كالأعلام ، بهم يستمطرون الغيث إذا حجب ، وفي جملتهم يحشر السعيد والنجيب ومن فاخرهم يخب ، ومن حاربهم نكب ، ومن أقلع إليهم بغير ريح عطب ، بدعائهم يستمطر الغمام ، فهو دواء الآلام وشفاء الأسقام وبهم يستنقذ المغلوب ، وبهم يفرج اللّه عن المكروب ، كروبهم كشف العمى عن القلوب ، وبهم تغفر الخطايا والذنوب ، من اقتدى بهم تجنب الآثام والذنوب ، وأقلع عن القبائح والعيوب وبلغ من رحمة مولاه المنى والمرغوب ، وبهم يتوصل إلى غاية المحبوب . وأنشدوا : وربك لو أبصرت يوما تتابعت * عزائمهم حتى لقد بلغوا الجهدا لأبصرت قوما جانبوا النوم وارتدوا * بأردية التسهاد واستقربوا البعدا